بائعة أمريكية شقراء، لطيفة ذات ضحكة خفيفة، في نهاية عقدها الثالث أو في بدايات العقد الرابع. نزورها في المحل أنا وأختي فنراها قبل أن ندخل وترتسم على شفاهنا بسمة وترانا هي فتهتف ” يا إلهي، الأختان مرة أخرى” ونضحك. فقد كنا نقضي معظم وقتنا في حديث ودعابات ومن هنا وهناك، بعض من مغايظات. ونلتقي في ذات الزيارة بامرأة أمريكية أخرى في الخمسينات عن عمرها، لديها حفيدة في الثانية من عمرها ومحافظة على نفسها حتى تخالها زميلة بائعتنا في أواخر الثلاثين. ومرت الأيام وصارت تربطنا بهم علاقة صداقة قوية حتى سمعنا الخبر الذي كان بالنسبة للجميع مفاجأة.

شاب عربي في أوائل العشرينات من عمره حضر إلى مدينتنا طالبا، مهذب تبدو على ملامحه الطيبة ويوم جمعة بعد حضوره بوقت قليل قام بعقد قرانه على الجدة الأمريكية، وطار عقل الكثيرين. هي أمريكية وهو عربي، هو لا يتحدث الإنجليزية وهي لا تتحدث العربية، هو في العشرين وهي في الخمسين، هو لم يتزوج من قبل وخبرته في الحياة قليلة، وهي متزوجة ولديها أبناء وبنات بل وحفيدة، هو أول مرة يطأ بقدمه الأراضي الأمريكية وهي لم تزور يوما في حياتها دولة عربية. وكلما تنظر إليهما معا تقفز في البال تلك المفارقات الغريبة، وأتي يوم أتتنا فيه الزوجة الجدة وهي ترتدي غطاءا أبيضا فوق رأسها وعلمنا أنها قد أشهرت إسلامها وأسمت نفسها (عائشة)، وأزداد الحديث وتعمق وسكنت عائشة في شقة تجاورنا وزوجها الشاب وأسرتها. وفي يوم ذهبت إلى محلى لأرى بائعتي الصديقة وابتسمت تلك الابتسامة الخفيفة ودلفت إلى المحل لتقبل عليّ وبدلا من أن تبادرني بالتحية أو الدعابات النقية، سألتني، مشيرة إلى عائشة، بنبرة خفيضة وبعينيها نظرة خبيثة:

-أها، ما عندك لي قطيعة!

وبهت في تلك اللحظة ظنا مني أن الأمريكيين هم قوم مباشرون لا يعرفون (اللف) أو الدوران. قوم يتصرفون على سجيتهم، يتركون الناس في حالهم ولا يفهمون في قلنا وقالوا. كنت أظن أن القطيعة والنميمة حصرا في المجتمعات الشرقية وغير متواجدة في المجتمعات الغربية. أذكر أن جدي لأبي رحمة الله كان يأتي مارا فيرى زوجته ووالدتها الحاجة فاطمة، رحمهم الله، يتحدثون ويتسامرون وأحيانا بأصوات خفيضة. فيقول لهن محذرا “أوعا تقطعوا أو تتكلموا في سيرة الناس” فتجيبه الحاجة فاطمة بسخريتها المعروفة “أبدا والله إحنا ما بنقطع في زول، بس جايبين شوطهم سااااي.”

وظهرت دراسة أمريكية حديثا تحذر من القطيعة وتقول أن البشر أميل إلى تصديق القطيعة والنميمة أكثر من الحقيقة وإن ثبتت بالأدلة والبراهين مكتوبة، بل وحتى وإن تضاربت القطيعة عن شخص معين مع تجربتنا ومعرفتنا به. قامت الدراسة التي نظمتها أكاديمية العلوم القومية بإحضار 126 طالبا وأجلستهم أمام شاشات الكمبيوتر. من بين شاشات الكمبيوتر يقوم الطلاب بالتعامل المالي مع بعضهم البعض على أن يكتب كل منهم تعليقا عن الآخر بعد نهاية التعامل بينهما حتى وإن لم يكن ذلك التعليق صحيحا، مثل أن يقول أحدهم “هذا الشخص كريم جدا!” أو أن يقول آخر “أحذروا هذا الشخص، فهو بخيل جدا!”. ووجدت الدراسة أن الطلبة قد تأثروا بالنميمة التي كتبها الطلاب عن بعضهم البعض حتى وإن ثبت لهم أن تلك القطيعة، بعد تجربتهم الشخصية معهم، لم تكن صحيحة. تقول بروفيسور “دوريان تروب”:

– أن النميمة سواء أكانت كاذبة أو صحيحة فهي بلا شك تؤثر في تعامل الآخرين معنا وهذه خطورتها، فنحن لا نستطيع التحكم فيما يقوله الآخرون عنا.”
أما دكتور “درو ينسكي” أستاذ الطب النفسي بجامعة كاليفورنيا فيرجع تاريخ القطيعة لسنوات وقرون في التاريخ بعيدة. فقد كانت وسيلة لتبادل تجارب الحياة، النساء يجتمعن في فترة ويتناقشن كيف نربي أطفالنا وأين نجد أفضل الأسعار وصارت ذات المجالس وسيلة للحديث وتبادل الأخبار ومن ثّم القطيعة والنميمة. وينصح د. ينسكي المجتمع أن يتمهل ويتروى قبل أن يتبادل (القطيعة)، فالقطيعة تؤثر على حياة الآخرين وعلى الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع كل الشخص. وتقول هاريت كول المحررة بمجلة (أبوني)، أن القطيعة التي تثار حولنا من الصعب علينا تغييرها، بل وحتى محاولة تغييرها قد تقود إلى حروب وأحاديث تفتح أبواب جديدة للقطيعة قد تؤثر حتى على محاولة تصحيح القطيعة التي قصدناها في البداية.”

وتوصلت الدراسة إلى أن الإنسان يسمع نميمة ما ويتعامل معها على أنها حقيقة مطلقة ولذلك يقوم ضعاف النفس منا باستخدام القطيعة والنميمة كسلاح، إما لاغتيال شخصية من يختلف معهم أو لإعادة تأهيل شخصيتهم هم. ولذلك نهانا الله عنها في كتابة الكريم مشبها القطيعة والنميمة بمن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه. أعاذنا وأبعدنا الله عنها!
آخر قطيعة:

أسكتوا.. ما قلت ليكم! القطيعة ما طلعت ظاهرة عالمية!